المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عمر رضي الله عنه وعام الرمادة


نور
13-Jul-2024, 07:40 AM
كان عام الرَّمادة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو عامٌ امتنع فيه المطر، وأجدبت الأرض، وقلَّ الطعام، وغلا ثمنه، وانتشرت المجاعة، وكثر الموتى، وكانت أكثر المناطق تضرُّرًا هي مناطق الأعراب في صحراء الجزيرة العربيَّة. غالب المؤرِّخين يتَّفقون على أنَّ هذا العام هو العام الثامن عشر من الهجرة. تذكر بعض المصادر أنَّ الأمر استمرَّ تسعة شهورٍ متَّصلة، وأنَّه بدأ بعد موسم حجِّ العام الثامن عشر[1]، فهذا يعني أنَّ ذروته كانت في العام التاسع عشر، والله أعلم. سُمِّيَ الْعَام بالرمادة لأنَّ الْأَرْض اغْبَرَّتْ جِدًّا مِنْ عَدَم الْمَطَر، فكيف واجه عمر رضي الله عنه هذه السَنَةً الشَدِيدَةً الـمُلِمَّةً؟
أولًا: اجْتَهَدَ عُمَرُ فِي إِمْدَادِ الْأَعْرَابِ بِالْإِبِلِ وَالْقَمْحِ وَالزَّيْتِ مِنَ الْأَرْيَافِ كُلِّهَا، حَتَّى بَلَحَتِ[2] الْأَرْيَافُ[3] كُلُّهَا مِمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ، وتَرِد نصوصٌ كثيرة، ولكنَّها كلَّها بأسانيدٍ ضعيفة، تصف مراسلات عمر رضي الله عنه إلى ولاته على الأمصار، وتصف قدوم الطعام من الشام، والعراق، ومصر. والواقع أنَّه من المؤكَّد قدوم الغوث من بعض المناطق، لكن لا يمكن الجزم بقدومه من منطقةٍ بعينها، خاصَّةً أنَّ بعض الروايات تذكر قدوم المعونة من مصر، ولم تكن قد فُتِحَت بعد، كما تصف بعض الروايات مراسلة عمر رضي الله عنه لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما والي الشام، ولم يكن تولَّى أيضًا في هذا التوقيت.
ثانيًا: الدعاء: قَامَ عُمَرُ رضي الله عنه يَدْعُو فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَهُمْ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ حِينَ نَزَلَ بِهِ الْغَيْثُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ.
ثالثًا: الاستغفار: الاستغفار سبيل النجدة والفرج! فعَنِ الشَّعْبي قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَسْتَسْقي، فَلَمْ يَزِد عَلَى الِاسْتِغْفَارِ حَتَّى رَجَعَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا رَأَيْنَاكَ اسْتَسْقَيْتَ! قَالَ: لَقَدْ طَلَبْتُ الْمَطَرَ بِمَجَادِيح[4] السَّمَاءِ الذي يُستنزل بِهِ الْمَطَرُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ` يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: 10، 11]، ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: 52][5].
رابعًا: التوسُّل بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه عمِّ الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فعَنْ أنس بن مالك رضي الله عنه، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه، كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رضي الله عنه، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ[6]. وذكر نافع أن ذلك كان في عام الرمادة؛ عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ رضي الله عنه عَامَ الرَّمَادَةِ بِالْعَبَّاسِ رضي الله عنه لِيَسْتَسْقِيَ بِهِ، فَقَالَ: «جِئْنَاكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا». فَسُقُوا[7].
خامسًا: قَالَ عمر حِينَ نَزَلَ بِهِ الْغَيْثُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُفْرِجْهَا مَا تَرَكْتُ بِأَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ سَعَةٌ إِلَّا أَدْخَلْتُ مَعَهُمْ أَعْدَادَهُمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ، فَلَمْ يَكُنِ اثْنَانِ يَهْلِكَانِ مِنَ الطَّعَامِ عَلَى مَا يُقِيمُ وَاحِدًا[8]، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: «لَوْ لَمْ أَجِدْ لِلنَّاسِ مِنَ الْمَالِ مَا يَسَعُهُمْ إِلَّا أَنْ أُدْخِلَ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ عِدَّتَهُمْ فَيُقَاسِمُونَهُ أَنْصَافَ بُطُونِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِخَيْرٍ لَفَعَلْتُ؛ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْلِكُوا عَلَى أَنْصَافِ بُطُونِهِمْ»[9]. لا شَكَّ أنَّ هذا المعنى الذي وصل إليه عمر رضي الله عنه مُسْتَنتجٌ من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، وقال فيه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ»[10]!
سادسًا: من تراتيب عمر رضي الله عنه الخاصَّة بهذه الأزمة: أنَّه لم يقطع يدَ مَنْ سرق في هذا العام؛ قال الزرقاني: معلومٌ من سيرة عمر أَنَّهُ لَمْ ‌يَقْطَعْ سَارِقًا عَامَ ‌الرَّمَادَةِ[11].
سابعًا: من تراتيبه أيضًا أنه أجَّل دفع زكاة الأموال التجاريَّة في أيَّام الكساد إلى أيَّام اليسار: فعَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ الدَّوْسِيِّ، قَالَ: لَمَّا كَانَ ‌عَامُ ‌الرَّمَادَةِ، ‌أَخَّرَ ‌عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه الصَّدَقَةَ عَامَ الرَّمَادَةِ، حَتَّى إِذَا أَحْيَا النَّاسَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ وَأَسْمَنَ النَّاسُ، بَعَثَ إِلَيْهِمْ مُصَدِّقِينَ[12]، وَبَعَثَنِي فِيهِمْ، فَقَالَ: خُذْ مِنْهُمُ الْعِقَالَيْنِ[13]: الْعِقَالَ الَّذِي أَخَّرْنَا عَنْهُمْ، وَالْعِقَالَ الَّذِي حَلَّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ اقْسِمْ عَلَيْهِمْ أَحَدَ الْعِقَالَيْنِ وَأَحْدِرِ[14] الْآخَرَ[15]». قَالَ: فَفَعَلْتُ[16].
ثامنًا: ضرب القدوة للنَّاس في الصبر على البلاء: عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: غَلَا الطَّعَامُ بِالْمَدِينَةِ فَجَعَلَ عُمَرُ رضي الله عنه يَأْكُلُ الشَّعِيرَ، فَجَعَلَ بَطْنُهُ يُصَوِّتُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى بَطْنِهِ وَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا مَا تَرَى حَتَّى يُوَسِّعَ اللهُ عَلَى المُسْلِمِينَ»[17]، ويقول سَفِينَة رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصف عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وَكَانَ أَبْيَضَ، وَإِنَّمَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ عَامَ الرَّمَادَةِ؛ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِدَامًا حَتَّى يَنْكَشِفَ عَنِ النَّاسِ، فَلِذَلِكَ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ رضي الله عنه[18]!
وقد رفض عمر رضي الله عنه أن ينسب الناسُ إليه الفضل في نزول المطر باستسقائه؛ فردَّ على أعرابي نسب الفضل إليه في الخروج من المجاعة قائلًا: وَيْحَكَ إِنَّمَا هُوَ اللهُ، وَاللهُ أَنْزَلَهُ، وَاللهُ قَوَّانَا عَلَيْهِ حَتَّى وَضَعَ رَحْمَتَهُ، وَسَقَى عِبَادَهُ، وَكَشَفَ السَّنَةَ عَنْهُمْ»[19].[20].
[1] ابن سعد: الطبقات الكبرى، 3/235.

[2] بَلَحَت: أي: نفذ ما فيها من زرع وأرزاق.
[3] الأرياف: جمع رِيفٍ؛ وهو كلُّ أَرضٍ فيها زرعٌ ونخل، وقيل: هو ما قارَبَ الماء من أَرض العرب وغيرها.
[4] الْمَجَادِيح: جمع مِجْدَح، وهو نجمٌ من النجوم. وَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنَ الأنْواء الدَّالَّة عَلَى المَطر، فَجعل الاستِغفار مُشَبَّهًا بِالْأَنْوَاءِ، مُخاطَبَة لَهُمْ بِمَا يَعْرِفُونَهُ، لَا قوْلًا بالأنْواء. ابن الأثير أبو السعادات: النهاية في غريب الحديث والأثر، 1/243.
[5] سعيد بن منصور: التفسير من سنن سعيد بن منصور، 5/353، 354، قال النووي: رواه سعيد بن منصور، والبيهقي بإسناد صحيح، لكنه مرسل. وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر عن عمر بنحوه، وسنده متصل. ابن حجر العسقلاني: نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار، 5/119.
[6] البخاري: كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، (964)، وابن حبان (2861).
[7] ابن حنبل: فضائل الصحابة، 2/928، وابن أبي عاصم: الآحاد والمثاني، 1/270، والآجري: الشريعة، 5/2263.
[8] البخاري: الأدب المفرد، ص198، وقال الألباني: صحيح الإسناد.
[9] ابن شبة: أخبار المدينة النبوية، 2/310، وقال عبد الله بن محمد بن أحمد الدويش: رواه ابن سعد في الطبقات وإسناده صحيح.
[10] مسلم: كتاب الأشربة، باب إكرام الضيف وفضل إيثاره، (2059)، وابن ماجه (3)، وأحمد (14260).
[11] الزرقاني: شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، 4/75.
[12] أي بعث إليهم جامعي الصدقة أي الزكاة.
[13] ‌العقال: إنَّما هُوَ صَدَقَة عَام. انظر: أبو عبيد القاسم بن سلام: غريب الحديث، 3/210. وزاد الزمخشري: وَكَأن الأَصْل فِي هَذِه التَّسْمِيَة الْإِبِل لِأَنَّهَا الَّتِي تُعقل. انظر: الزمخشري: الفائق في غريب الحديث والأثر، 3/14.
[14] حدر أَي أسرع، وجاء، وتَنَزَّلَ، والمقصود: أحضره وأْتِ به.
[15] المقصود هو توزيع صدقة عامٍ على أهلها المتضرِّرين، ويحضر صدقة عام إليه.
[16] ابن زنجويه: الأموال، 2/830، واللفظ له، وابن سعد: الطبقات الكبرى، 3/، وابن شبة: أخبار المدينة النبوية، 2/313، وأبو عبيد القاسم بن سلام: كتاب الأموال، ص464، والبيهقي: معرفة السنن والآثار، 6/78.
[17] ابن أبي شيبة: المصنف، 7/ 98، وابن شبة: أخبار المدينة النبوية، 2/309. وقال عبد الله بن محمد بن أحمد الدويش: إسناده صحيح. وقال عبد السلام بن محسن آل عيسى: سنده متصل، ورجاله ثقات.
[18] ابن سعد: الطبقات الكبرى، 3/ 247، وابن أبي عاصم الشيباني: الآحاد والمثاني، 1/ 116 واللفظ له.
[19] ابن شبة: أخبار المدينة النبوية، 2/303، 304، وقال عبد الله بن محمد بن أحمد الدويش: إسناده صحيح.

ناطق العبيدي
13-Jul-2024, 02:22 PM
جازاك آلله عنا خيرا...وكان عملك هذا في ميزان حسناتك...أروع ما قرأت اليوم....
بارك آلله فيك اختي الطيبة المبدعة البديعة
تقديري وسلامي لك

غَيْم..!
14-Jul-2024, 05:46 PM
جزاك الله خير
وجعله في ميزان حسناتك ..

محب الخير
16-Jul-2024, 02:23 AM
مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه

نَبض
21-Jul-2024, 12:50 AM
::

بارك الله فيك

هجران
23-Jul-2024, 04:42 PM
جَزاكْ الله خيرْ وبَآركْ الله فِيكْ
وَجعلهَا فيِ مِيزَانْ حَسنَاتَكْ

ملك الأحساس
26-Jul-2024, 01:47 AM
بارك الله فيك
على جمال نقلك هنا

حـُـلم
29-Jul-2024, 12:58 AM
طرح قيم
جزاك الله خير الجزاء

ماجده
29-Jul-2024, 09:39 AM
يعطيكم ربى الف عافيه على الطرح المفيد
جعله الله فى ميزان حسناتكم يوم القيامه
وشفيع لكم يوم الحساب
https://upload.3dlat.com/uploads/13746137215.gif

الأميره
23-Aug-2024, 10:46 PM
جزاك الله خير
بارك الله فيك

زهرة الشمس
23-Sep-2024, 12:40 PM
جزاك الله جنة عرضها آلسموات و الارض
بارك الله فيك على الموضوع القيم والمفيد
اسال الله لك التوفيق والسعادة
دمت بخير .،

الحر
10-Oct-2024, 09:34 AM
جزاك الله خير
وكتب الله أجرك وبارك الله فيك

زهرة الشمس
22-Mar-2025, 01:22 AM
جزاك الله خير
وجعله في ميزان حسناتك ..