نزف القلم
22-Aug-2021, 09:27 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هل حديث نساء شهداء أُحُد حينما اشتكوا للرسول صل الله علية وسلم الوِحدة بعد وفاة أزواجهن في بيوتهن فأجاز لهن الخروج والمبيت في منازلهن ليلاً . هل هو صحيح أم ضعيف ؟
و جزاك الله خيرا
الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وجزاك الله خيرا
أولاً : لا يَثبُت عن النبي صلى الله عليه وسلم مُسْنَدا .
وثانيا : ثَبَت مِن قول ابن مَسْعُود رضيَ اللّهُ عنه ، ومِن قول ابن عمر رضيَ اللّهُ عنهما ، بِنحوه .
أما الأول ، وهو الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقد رواه الإمام الشافعي في كتاب " الأم " عن عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : اُسْتُشْهِدَ رِجَالٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَآمَ نِسَاؤُهُمْ وَكُنَّ مُتَجَاوِرَاتٍ فِي دَارٍ فَجِئْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا نَسْتَوْحِشُ بِاللَّيْلِ ، أَفَنَبِيتُ عِنْدَ أَحَدِنَا فَإِذَا أَصْبَحْنَا تَبَدَّدْنَا إلَى بُيُوتِنَا ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إحْدَاكُنَّ مَا بَدَا لَكُنَّ ، فَإِذَا أَرَدْتُنَّ النَّوْمَ فَلْتَؤُبْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ إلَى بَيْتِهَا .
ومِن طريق الإمام الشافعي رواه : البيهقي .
قال ابن الملقِّن : وَهَذَا مُعْضَل ، وَعبد الْمجِيد هَذَا من رجال مُسلم مَقْرُونا بِهِشَام بن سُلَيْمَان الْمَكِّيّ ، وَهُوَ مِمَّن اخْتلف فِيهِ ، وَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : ثِقَة دَاعِيَة إِلَى الإرجاء ، وَتَركه ابْن حبَان .
قلت: وَتَابعه عبد الرَّزَّاق فَرَوَاهُ عَن ابْن جريج، عَن عبد الله بن كثير، عَن مُجَاهِد . ذَكَرَه عبد الْحق فِي " أحْكَامه " ، ثمَّ قَالَ: هَذَا مُرْسل .
قلت: ويَقْوى هَذَا الْمُرْسل بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهُ أَنه قَالَ : الْمُطلقَة والمتوفَّى عَنْهَا زَوجهَا تخرجان بِالنَّهَارِ وَلا تبيتان لَيْلَة تَامَّة عَن بيوتهما ، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَنهُ: أَنه قَالَ: الْمُطلقَة الْبَتَّةَ تزور بِالنَّهَارِ ، وَلا تغيب عَن بَيتهَا . اهـ .
والحديث الْمُرْسَل ضعيف عند جماهير الْمُحدِّثِين ، إلاّ أن يتقوّى مِن وجه آخر .
والحديث قَـوَّاه ابن القيم في " زاد المعاد " ، وتعقّبه الألباني بقوله : لقد أعَلّ ابن القيم في (زاد المعاد) الحديث بالإرسال، لكنه مال إلى تقويته ، فقال : (وهذا وإن كان مُرْسَلا، فالظاهر أن مجاهدا إما أن يكون سَمِعه من تابعي ثقة، أو من صحابي، والتابعون لم يكن الكذب معروفا فيهم. . .) إلخ.
قلت (الألباني) : وهذا مَردود باتفاق علماء الحديث في (المصطلح) : أن الحديث الْمُرْسَل مِن أقسام الحديث الضعيف .. . اهـ .
كما تعقّب ابنَ القيم وناقشه : د. جمال بن محمد السيد ، في كتاب : "ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها " .
وتَعَقُّب الأفاضل مُتَعقَّب : بأن ابن القيم يَرى اعتضاد الحديث الْمُرْسَل وتقويته بأوْجه أخرى .
قال ابن القيم : وَالْمُرْسَلُ إذَا اتّصَلَ بِهِ عَمل ، وَعَضَدَهُ قِيَاسٌ ، أَوْ قَوْلُ صَحَابِيّ ، أَوْ كَانَ مُرْسِلُهُ مَعْرُوفًا بِاخْتِيَارِ الشّيُوخِ وَرَغْبَتِهِ عَنْ الرّوَايَةِ عَنْ الضّعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِينَ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي قُوّتَهُ ؛ عُمِلَ بِهِ . اهـ .
وهذا أشار إليه شيخه : شيخ الإسلام ابن تيمية ، فإنه قال : والْمُرْسَل إذا عَمِل به جمهور الصحابة يَحْتَجّ به الشافعي وغيرُه .
وقال : والمرسل إذا اعتضد به قول الصاحب احتج به مَن لا يحتج بالمرسل ، كالشافعي وغيره . اهـ .
مع ما يُضاف إلى ذلك مِن قوّة مَراسيل مُجاهد .
قال أبو نعيم : قال يحيى القطان : مُرْسَلات مجاهد أحب إليّ مِن مُرْسَلات عطاء بكثير .
وَقَال أَبُو عُبيد الآجري : قلتُ لأبي داود: مراسيل عطاء أحب إليك أو مراسيل مجاهد ؟ قال : مراسيل مجاهد . عطاء كان يَحمل عن كل ضرب !
والإمام مُجاهِد مِن كبار التابعين . اهـ .
وقال ابن حجر : قيّد الشافعي المرسل الذي يُقبل - إذا اعتضد - بأن يكون من رواية التابعي الكبير .اهـ .
وهذا ما ذَهب إليه ابن القيم في تقوية مُرْسَل مُجاهِد .
فإذا ثَبَتت هذه القرائن ، مع كَون مُرْسَل الإمام مُجاهِد بن جبر قد اعتضد بأقوال وفتاوى الصحابة رضيَ اللّهُ عنهم ؛ كان تقوية له ، كما ذهب إليه الشيخان : ابن تيمية وابن القيم .
وقد ثَبَت عن الصحابة رضيَ اللّهُ عنهم القول بِمعنى مُرسَل مُجاهد ؛ فيتقوّى الْمُرْسَل بالعَمَل .
وأما الثاني - فهو الحديث الموقوف على ابن مسعود رضيَ اللّهُ عنه - الذي رواه عبد الرَّزَّاق عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: سَأَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ نِسَاءٌ مِنْ هَمْدَانَ نُعِيَ إِلَيْهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ، فَقُلْنَ: إِنَّا نَسْتَوْحِشُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: تَجْتَمِعْنَ بِالنَّهَارِ ، ثُمَّ تَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إِلَى بَيْتِهَا بِاللَّيْلِ .
ومِن طريق عبد الرَّزَّاق رواه : الطبراني . وقال الهيثمي : رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ . اهـ .
ورواه سعيد بن منصور من طريق عَلْقَمَةَ أَنَّ نِسْوَةً مِنْ هَمْدَانَ قُتِلَ أَزْوَاجُهُنَّ ، فَأَرْسَلْنَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَسْأَلْنَهُ عَنِ الْخُرُوجِ، فَقَالَ: اخْرُجْنَ بِالنَّهَارِ، يُؤْنِسُ بَعْضُكُنَّ بَعْضًا ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ فَلا تُبِيتُنَّ عَنْ بُيُوتِكُنَّ .
ورواه مِن طريق إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ نِسْوَةً مِنْ هَمْدَانَ قُتِلَ أَزْوَاجُهُنَّ فَاسْتَوْحَشْنَ، فَأَتَيْنَ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَأَلْنَهُ، فَقَالَ : أَحَدُهُمَا: تَزَاوَرْنَ بِالنَّهَارِ . وَقَالَ الآخَرُ : تَحَدَّثْنَ بِالنَّهَارِ مَا بَدَا لَكُنَّ ، وَارْجِعْنَ بِاللَّيْلِ إِلَى بُيُوتِكُنَّ .
وروى الإمام الشَّافِعِيّ في " الأمّ " عن عبد الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لا يَصْلُحُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَبِيتَ لَيْلَةً وَاحِدَةً إذَا كَانَتْ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ أَوْ طَلاقٍ إلاّ فِي بَيْتِهَا .
ومِن طريق الإمام الشَّافِعِيّ رواه البيهقي .
وروى عبد الرزاق من طريق نَافِعٍ قَالَ : كَانَتْ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ تَعْتَدُّ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا، فكَانَتْ تَأتِيهِمْ بِالنَّارِ فَتُحَدِّثُ عِنْدَهُمْ ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ أَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهَا .
وروى ابن أبي شيبة مِن طريق نَافِع عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لا تَكْتَحِلُ، وَلا تَخْتَضِبُ، وَلا تَلْبَسُ ثَوْبًا إِلاّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلا تَبِيت عَنْ بَيْتِهَا ، وَلَكِنْ تَزُورُ بِالنَّهَارِ .
وروى البيهقي مِن طريق سَالِم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضيَ اللّهُ عنهما قَالَ: الْمُطَلَّقَةُ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَخْرُجَانِ بِالنَّهَارِ ، وَلا تَبِيتَانِ لَيْلَةً تَامَّةً عن بُيُوتِهِمَا .
وروى مِن طريق نَافِع عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ : الْمُطَلَّقَةُ الْبَتَّةَ تَزُورُ بِالنَّهَارِ ، وَلا تَبِيتُ عن بَيْتِهَا .
وفي صحيح مسلم من حديث جَابِر بن عَبْدِ اللهِ رضيَ اللّهُ عنهما قال : طُلِّقَتْ خَالَتِي ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا ، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : بَلَى فَجُدِّي نَخْلَكِ ، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي ، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا.
قَالَ الإمام الشَّافِعِيُّ : نَخْلُ الأَنْصَارِ قَرِيبٌ مِنْ مَنَازِلِهِمْ ، وَالْجِدَادُ إنَّمَا تَكُونُ نَهَارًا .
وخُروج المرأة في العِدّة جائز للحاجة .
قال الإمام النووي في شرح حَدِيث جَابِر : هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِخُرُوجِ الْمُعْتَدَّةِ الْبَائِنِ لِلْحَاجَةِ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَآخَرِينَ : جَوَازُ خُرُوجِهَا فِي النَّهَارِ لِلْحَاجَةِ ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ هَؤُلاءِ يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ في عدة الوفاة ، ووافقهم أبو أَبُو حَنِيفَةَ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ ، وَقَالَ فِي الْبَائِنِ : لا تَخْرُجُ لَيْلا وَلا نَهَارًا . اهـ .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن الْمُحِدَّة : وتَلْزَم مَنْزِلَها ، فلا تَخْرُج بِالنَّهَار إلاَّ لِحَاجَة ، ولا بِالليل إلاَّ لِضَرُورَة .
والله تعالى أعلم .
المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
هل حديث نساء شهداء أُحُد حينما اشتكوا للرسول صل الله علية وسلم الوِحدة بعد وفاة أزواجهن في بيوتهن فأجاز لهن الخروج والمبيت في منازلهن ليلاً . هل هو صحيح أم ضعيف ؟
و جزاك الله خيرا
الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وجزاك الله خيرا
أولاً : لا يَثبُت عن النبي صلى الله عليه وسلم مُسْنَدا .
وثانيا : ثَبَت مِن قول ابن مَسْعُود رضيَ اللّهُ عنه ، ومِن قول ابن عمر رضيَ اللّهُ عنهما ، بِنحوه .
أما الأول ، وهو الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقد رواه الإمام الشافعي في كتاب " الأم " عن عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : اُسْتُشْهِدَ رِجَالٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَآمَ نِسَاؤُهُمْ وَكُنَّ مُتَجَاوِرَاتٍ فِي دَارٍ فَجِئْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا نَسْتَوْحِشُ بِاللَّيْلِ ، أَفَنَبِيتُ عِنْدَ أَحَدِنَا فَإِذَا أَصْبَحْنَا تَبَدَّدْنَا إلَى بُيُوتِنَا ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إحْدَاكُنَّ مَا بَدَا لَكُنَّ ، فَإِذَا أَرَدْتُنَّ النَّوْمَ فَلْتَؤُبْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ إلَى بَيْتِهَا .
ومِن طريق الإمام الشافعي رواه : البيهقي .
قال ابن الملقِّن : وَهَذَا مُعْضَل ، وَعبد الْمجِيد هَذَا من رجال مُسلم مَقْرُونا بِهِشَام بن سُلَيْمَان الْمَكِّيّ ، وَهُوَ مِمَّن اخْتلف فِيهِ ، وَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : ثِقَة دَاعِيَة إِلَى الإرجاء ، وَتَركه ابْن حبَان .
قلت: وَتَابعه عبد الرَّزَّاق فَرَوَاهُ عَن ابْن جريج، عَن عبد الله بن كثير، عَن مُجَاهِد . ذَكَرَه عبد الْحق فِي " أحْكَامه " ، ثمَّ قَالَ: هَذَا مُرْسل .
قلت: ويَقْوى هَذَا الْمُرْسل بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهُ أَنه قَالَ : الْمُطلقَة والمتوفَّى عَنْهَا زَوجهَا تخرجان بِالنَّهَارِ وَلا تبيتان لَيْلَة تَامَّة عَن بيوتهما ، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَنهُ: أَنه قَالَ: الْمُطلقَة الْبَتَّةَ تزور بِالنَّهَارِ ، وَلا تغيب عَن بَيتهَا . اهـ .
والحديث الْمُرْسَل ضعيف عند جماهير الْمُحدِّثِين ، إلاّ أن يتقوّى مِن وجه آخر .
والحديث قَـوَّاه ابن القيم في " زاد المعاد " ، وتعقّبه الألباني بقوله : لقد أعَلّ ابن القيم في (زاد المعاد) الحديث بالإرسال، لكنه مال إلى تقويته ، فقال : (وهذا وإن كان مُرْسَلا، فالظاهر أن مجاهدا إما أن يكون سَمِعه من تابعي ثقة، أو من صحابي، والتابعون لم يكن الكذب معروفا فيهم. . .) إلخ.
قلت (الألباني) : وهذا مَردود باتفاق علماء الحديث في (المصطلح) : أن الحديث الْمُرْسَل مِن أقسام الحديث الضعيف .. . اهـ .
كما تعقّب ابنَ القيم وناقشه : د. جمال بن محمد السيد ، في كتاب : "ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها " .
وتَعَقُّب الأفاضل مُتَعقَّب : بأن ابن القيم يَرى اعتضاد الحديث الْمُرْسَل وتقويته بأوْجه أخرى .
قال ابن القيم : وَالْمُرْسَلُ إذَا اتّصَلَ بِهِ عَمل ، وَعَضَدَهُ قِيَاسٌ ، أَوْ قَوْلُ صَحَابِيّ ، أَوْ كَانَ مُرْسِلُهُ مَعْرُوفًا بِاخْتِيَارِ الشّيُوخِ وَرَغْبَتِهِ عَنْ الرّوَايَةِ عَنْ الضّعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِينَ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي قُوّتَهُ ؛ عُمِلَ بِهِ . اهـ .
وهذا أشار إليه شيخه : شيخ الإسلام ابن تيمية ، فإنه قال : والْمُرْسَل إذا عَمِل به جمهور الصحابة يَحْتَجّ به الشافعي وغيرُه .
وقال : والمرسل إذا اعتضد به قول الصاحب احتج به مَن لا يحتج بالمرسل ، كالشافعي وغيره . اهـ .
مع ما يُضاف إلى ذلك مِن قوّة مَراسيل مُجاهد .
قال أبو نعيم : قال يحيى القطان : مُرْسَلات مجاهد أحب إليّ مِن مُرْسَلات عطاء بكثير .
وَقَال أَبُو عُبيد الآجري : قلتُ لأبي داود: مراسيل عطاء أحب إليك أو مراسيل مجاهد ؟ قال : مراسيل مجاهد . عطاء كان يَحمل عن كل ضرب !
والإمام مُجاهِد مِن كبار التابعين . اهـ .
وقال ابن حجر : قيّد الشافعي المرسل الذي يُقبل - إذا اعتضد - بأن يكون من رواية التابعي الكبير .اهـ .
وهذا ما ذَهب إليه ابن القيم في تقوية مُرْسَل مُجاهِد .
فإذا ثَبَتت هذه القرائن ، مع كَون مُرْسَل الإمام مُجاهِد بن جبر قد اعتضد بأقوال وفتاوى الصحابة رضيَ اللّهُ عنهم ؛ كان تقوية له ، كما ذهب إليه الشيخان : ابن تيمية وابن القيم .
وقد ثَبَت عن الصحابة رضيَ اللّهُ عنهم القول بِمعنى مُرسَل مُجاهد ؛ فيتقوّى الْمُرْسَل بالعَمَل .
وأما الثاني - فهو الحديث الموقوف على ابن مسعود رضيَ اللّهُ عنه - الذي رواه عبد الرَّزَّاق عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: سَأَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ نِسَاءٌ مِنْ هَمْدَانَ نُعِيَ إِلَيْهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ، فَقُلْنَ: إِنَّا نَسْتَوْحِشُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: تَجْتَمِعْنَ بِالنَّهَارِ ، ثُمَّ تَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إِلَى بَيْتِهَا بِاللَّيْلِ .
ومِن طريق عبد الرَّزَّاق رواه : الطبراني . وقال الهيثمي : رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ . اهـ .
ورواه سعيد بن منصور من طريق عَلْقَمَةَ أَنَّ نِسْوَةً مِنْ هَمْدَانَ قُتِلَ أَزْوَاجُهُنَّ ، فَأَرْسَلْنَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَسْأَلْنَهُ عَنِ الْخُرُوجِ، فَقَالَ: اخْرُجْنَ بِالنَّهَارِ، يُؤْنِسُ بَعْضُكُنَّ بَعْضًا ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ فَلا تُبِيتُنَّ عَنْ بُيُوتِكُنَّ .
ورواه مِن طريق إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ نِسْوَةً مِنْ هَمْدَانَ قُتِلَ أَزْوَاجُهُنَّ فَاسْتَوْحَشْنَ، فَأَتَيْنَ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَأَلْنَهُ، فَقَالَ : أَحَدُهُمَا: تَزَاوَرْنَ بِالنَّهَارِ . وَقَالَ الآخَرُ : تَحَدَّثْنَ بِالنَّهَارِ مَا بَدَا لَكُنَّ ، وَارْجِعْنَ بِاللَّيْلِ إِلَى بُيُوتِكُنَّ .
وروى الإمام الشَّافِعِيّ في " الأمّ " عن عبد الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لا يَصْلُحُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَبِيتَ لَيْلَةً وَاحِدَةً إذَا كَانَتْ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ أَوْ طَلاقٍ إلاّ فِي بَيْتِهَا .
ومِن طريق الإمام الشَّافِعِيّ رواه البيهقي .
وروى عبد الرزاق من طريق نَافِعٍ قَالَ : كَانَتْ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ تَعْتَدُّ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا، فكَانَتْ تَأتِيهِمْ بِالنَّارِ فَتُحَدِّثُ عِنْدَهُمْ ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ أَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهَا .
وروى ابن أبي شيبة مِن طريق نَافِع عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لا تَكْتَحِلُ، وَلا تَخْتَضِبُ، وَلا تَلْبَسُ ثَوْبًا إِلاّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلا تَبِيت عَنْ بَيْتِهَا ، وَلَكِنْ تَزُورُ بِالنَّهَارِ .
وروى البيهقي مِن طريق سَالِم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضيَ اللّهُ عنهما قَالَ: الْمُطَلَّقَةُ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَخْرُجَانِ بِالنَّهَارِ ، وَلا تَبِيتَانِ لَيْلَةً تَامَّةً عن بُيُوتِهِمَا .
وروى مِن طريق نَافِع عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ : الْمُطَلَّقَةُ الْبَتَّةَ تَزُورُ بِالنَّهَارِ ، وَلا تَبِيتُ عن بَيْتِهَا .
وفي صحيح مسلم من حديث جَابِر بن عَبْدِ اللهِ رضيَ اللّهُ عنهما قال : طُلِّقَتْ خَالَتِي ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا ، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : بَلَى فَجُدِّي نَخْلَكِ ، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي ، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا.
قَالَ الإمام الشَّافِعِيُّ : نَخْلُ الأَنْصَارِ قَرِيبٌ مِنْ مَنَازِلِهِمْ ، وَالْجِدَادُ إنَّمَا تَكُونُ نَهَارًا .
وخُروج المرأة في العِدّة جائز للحاجة .
قال الإمام النووي في شرح حَدِيث جَابِر : هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِخُرُوجِ الْمُعْتَدَّةِ الْبَائِنِ لِلْحَاجَةِ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَآخَرِينَ : جَوَازُ خُرُوجِهَا فِي النَّهَارِ لِلْحَاجَةِ ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ هَؤُلاءِ يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ في عدة الوفاة ، ووافقهم أبو أَبُو حَنِيفَةَ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ ، وَقَالَ فِي الْبَائِنِ : لا تَخْرُجُ لَيْلا وَلا نَهَارًا . اهـ .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن الْمُحِدَّة : وتَلْزَم مَنْزِلَها ، فلا تَخْرُج بِالنَّهَار إلاَّ لِحَاجَة ، ولا بِالليل إلاَّ لِضَرُورَة .
والله تعالى أعلم .
المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم