المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أيا صاحبَ اللطفِ الخفيِّ تلطَّفَا


MR.HMoOoD
29-Sep-2021, 03:42 PM
الحمد لله اللطيف الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾[1]
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أمرنا بإحسان الظن بالله تعالى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه وسلم تسليمًا كثيرًا؛ وبعد:
فاتقوا الله عباد الله..
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾[2].
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾[3].
لطيف بعباده: قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: حفي بهم. وقال عكرمة: بار بهم. قال السدي: رفيق.
قال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعا بمعاصيهم، يدل عليه قوله: ﴿ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ ﴾[4].

أيها الأخ المبارك: إذا أراد اللطيف أن يصرف عنك السوء.. جعلك لا ترى السوء، أو جعل السوء لا يعرف إليك طريقًا..
أو جعلكما تلتقيان وتنصرفان عن بعضكما وما مسّك منه شيء!
اسم اللطيف.. ستكتشف لو تأملته أن لا مستحيل في هذه الحياة، وأن الله قادر على كل شيء..
اللطيف تأتي بلطفه عظائم المقادير والتي تستبعدُ أكثر العقول خيالًا وقوعها، فيجعلها كائنة حاضرة
فلا تنتبه إلا -وبقريب من المعجزات- قد بات بساحتك! لا تعلم كيف أمكنه أن يحدث، وتتيقن أن حولك
وقوتك أقل من أن تُحدثه، فتنظر إلى السماء وتقول: ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾.
إذا أراد اللطيف أن يعصمك من معصية جعلك تبغضها، أو جعلها صعبة المنال منك، أو أوحشك
منها، أو جعلك تقدم عليها فيعرض لك عارض يصرفك به عنها!
وعباد الله يرقبون تلك الألطاف من اللطيف، ويبصرونها ببصائرهم، وكأن كل قضاء ينالهم به بصمة لطفٍ يدركونها وحدهم.
ها هي رؤيا من أعظم رؤى البشرية يراها يوسف عليه السلام وهو في حالة تقول كل مؤشراتها الطبيعية
باستحالة تحققها! يحكي رؤياه فيقول: ﴿ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾[5].

تأويل الرؤيا أن أباه وأمه وأخوته الأحد عشر سيسجدون له إكرامًا له!!
كيف وأبوه نبي كريم، كبير في السن، ولا تقضي معهودات الأمور أن يكرّم الصغير الكبير، وأخوته
لا يكنّون له حبًا فكيف سيسجدون له، بل إن ذلك دفعهم لإلقائه في البئر..
لكن اللطيف سبحانه يقدر الأقدار، ويصرف الأمور ويخرجه من السجن، ويجعله في منصب رفيع
ثم يقدّر القحط على البلاد، ثم يأتي بإخوته في ثياب الحاجة، وما تزال أقدار اللطيف تلتف لتحقق تلك الرؤيا القديمة
فيعجب يوسف لسجود والديه وإخوته ويقول:
﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾[6].
هذا اختصار للطف الذي سيطر على المشهد ثم يضع التوقيع النهائي فيقول: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ﴾..
نعم إنه اللطيف إذا أراد شيئًا هيأ له أسبابه بكامل اللطف وتام الخفاء، حتى أنه ليقع ما يستحيل في العادة ألا يقع! لأنه الله اللطيف الخبير.
ولما شاء اللطيف أن يخرج رسولنا عليه الصلاة والسلام ومن معه من عذابات شِعب بني هاشم
لم يرسل صيحة تزلزل ظلم قريش، فقط أرسل الأرَضَة تأكل أطراف وثيقة الظلم وعبارات التحالف
الخبيث! فيصبحون وقد تكسرت من الظلم العُرى، بحشرة لا تكاد ترى!!

ولا بد لللطيف أن يكون عليمًا، فكيف يكرمك ويمن عليك ويهديك بلطفٍ من لا يعلم مكامن هذا اللطف؟
تأمل حبة الخردل.. إنك لا تكاد تراها إن لم تكن محدقًا فيها: انظر إلى حجمها بالنسبة لكفك
ثم بالنسبة لحجم الغرفة مثلًا، ثم بيت، ثم قارن حجمها بدولتك، ثم بالأرض، ثم بالسموات الفسيحة
ثم ثق: إن أرادها الله فسيأتي بها: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾[7].
قال الإمام السعدي رحمه الله: "(إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) ـ اللطيف الذي يدرك بواطن الأشياء، وخفياتها
وسرائرها، الذي يسوق إلى عبده الخير، ويدفع عنه الشر بطرق لطيفة تخفى على العباد، ومن لطفه أنه يري عبده
عزته في انتقامه، وكمال اقتداره، ثم يظهر لطفه بعد أن أشرف العبد على الهلاك، ومن لطفه، أنه يعلم
مواقع القطر من الأرض، وبذور الأرض في باطنها، فيسوق ذلك الماء إلى ذلك البذر الذي خفي على علم الخلائق
فينبت منه أنواع النبات: (خَبِيرٌ) ـ بسرائر الأمور، وخبايا الصدور، وخفايا الأمور"[8].
قال الزجاج: "وَهُوَ فِي وصف الله يُفِيد أَنه المحسن إِلَى عباده فِي خَفَاء وَستر من حَيْثُ لَا يعلمُونَ
ويسبب لَهُم أَسبَاب معيشتهم من حَيْثُ لَا يحتسبون"[9].

أيها المبارك: فإذا رأيت الله تعالى قد يسر العبد لليسرى، وسهل له طريق الخير، وذلل له صعابه، وفتح له أبوابه
ونهج له طرقه، ومهد له أسبابه، وجنبه العسرى: فقد لطف به "[10]. قال ابن القيم: "واسمه اللطيف يتضمن:
علمه بالأشياء الدقيقة، وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية"[11].
أقول قولي هذا وأستغفر الله..
_______________________________________
[1] [يوسف: 100].
[2] [الأنفال: 29].
[3] [الشورى: 19].
[4] تفسير البغوي - إحياء التراث (4/ 142)
[5] [يوسف: 4]
[6] [يوسف: 100]
[7] مختصر من كتاب لأنك الله للفيفي.
[8] تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 544).
[9] تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج (ص: 44).
[10] تفسير أسماء الله الحسنى للسعدي (ص: 227).
[11] شفاء العليل (ص: 34).

د. صغير بن محمد الصغير

عواد الهران
29-Sep-2021, 03:57 PM
بارك الله فيك...

جزاك الله خير الجزاء,

ولك الشكر والامتنان,

والتميز بكمن بما نستفيد ونفيد,

وقمة التفاعل:

بالرد عليكم ,وتلقي ردودكم الكريمه.

غَيْم..!
29-Sep-2021, 03:58 PM
جزاك الله خير
وجعله في ميزان حسناتك ..

MR.HMoOoD
29-Sep-2021, 10:54 PM
شكراً لكم جميعاً على المرور العطر

الموج..!
01-Oct-2021, 07:28 AM
جزاك الله خير..
وجعله في ميزان حسناتك ..

مسگ
02-Oct-2021, 06:07 PM
جزاااك الله خير .

Eashqi
02-Oct-2021, 08:13 PM
جزاك الله خير الجزاء
ونفع بك وجعله في ميزان حسناتك
تحياتي لك ولحضورك الجميل
شكرا لك

رَاعِي غَنَمَ
02-Oct-2021, 09:19 PM
يعطيك العافيه على هذا الطرح..
وسلمت اناملك المتألقه لروعة طرحها..
تقديري لك..

MR.HMoOoD
03-Oct-2021, 02:01 PM
شكراً لكم جميعاً على المرور العطر

الَسِمًوٌ.!
04-Oct-2021, 01:38 PM
إنتقاء رآئع وطرح جميل كجمال روحك
دآئمـآ مانرى الإبدآع والتمييز يلآمس إنتقائك
لآحرمنـآ الله من روعة ذآلك الإختيار
وجميل الطرح والإبدآع
لك خآلص ودي..

لسعة عشق
04-Oct-2021, 08:44 PM
«


ماأروع مواضيعك وجمآلية طرحگ
شكرا لجلب أروع المواضيع وطرحها
يعطيك العافيه لكل بصمة
تتركها بموضوعك ابدعت وتميزت
شكرا لك ولابداعاتك ، لاننحرم
دمت بخير دوما

https://c.top4top.io/p_2086chubo5.gif

حـُـلم
24-Nov-2023, 04:46 PM
طرح قيم
جزاك الله خير الجزاء

الجادل
24-Nov-2023, 11:11 PM
،

يعطيك العافيه
مجهود يستاهل الشكر
لاعدمناك

،